الشوكاني
59
فتح القدير
وقد أخرج ابن إسحاق وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عروة ومحمد بن كعب القرظي قالا : لما أقبلت قريش عام الأحزاب نزلوا بمجمع الأسيال من رومة بئر بالمدينة ، قائدها أبو سفيان ، وأقبلت غطفان حتى نزلوا بنقمي إلى جانب أحد ، وجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخبر ، فضرب الخندق على المدينة وعمل فيه المسلمون ، وأبطأ رجال من المنافقين ، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل ، فيتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا إذن ، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لابد منها يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويستأذنه في اللحوق لحاجته فيأذن له ، فإذا قضى حاجته رجع ، فأنزل الله في أولئك ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ) الآية . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد ابن جبير في الآية قال : هي في الجهاد والجمعة والعيدين . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله ( على أمر جامع ) قال : من طاعة الله عام . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عنه في قوله ( لا تجعلوا دعاء الرسول ) الآية قال : يعنى كدعاء أحدكم إذا دعا أخاه باسمه . ولكن وقروه وقولوا له : يا رسول الله يا نبي الله . وأخرج عبد الغني بن سعيد في تفسيره وأبو نعيم في الدلائل عنه أيضا في الآية قال : لا تصيحوا به من بعيد يا أبا القاسم ، ولكن كما قال الله في الحجرات - إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله - . وأخرج أبو داود في مراسيله عن مقاتل ، قال : كان لا يخرج أحد لرعاف أو أحداث حتى يستأذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشير إليه بأصبعه التي تلي الإبهام ، فيأذن له النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشير إليه بيده ، وكان من المنافقين من يثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد ، فكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه يستتر به حتى يخرج . فأنزل الله ( الذين يتسللون منكم لواذا ) الآية . وأخرج أبو عبيد في فضائله والطبراني ، قال السيوطي بسند حسن عن عقبة بن عامر قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقرأ هذه الآية في خاتمة سورة النور وهو جاعل أصبعيه تحت عينيه يقول : بكل شئ بصير . تفسير سورة الفرقان هي سبع وسبعون آية وهي مكية كلها في قول الجمهور ، وكذا أخرجه ابن الضريس والنحاس وابن مردويه من طرق عن ابن عباس . وأخرجه ابن مردويه عن ابن الزبير . قال القرطبي : وقال ابن عباس وقتادة : إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة ، وهي - والذين لا يدعون مع الله إلها آخر - الآيات . وأخرج مالك والشافعي والبخاري ومسلم وابن حبان والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب قال : سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فكدت أساوره في الصلاة فتصبرت حتى سلم فلببته بردائه ، فقلت : من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ ؟ قال : أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقلت : كذبت فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت ، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت : إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أرسله ، أقرئنا هشام ، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كذلك أنزلت ، ثم قال : أقرئنا عمر ، فقرأت القراءة